ابن تيمية

116

مجموعة الفتاوى

لِيَجُودُوا بِالتَّبَرُّعِ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالتَّبَرُّعِ عَيْناً كَمَا نَهَاهُمْ عَنْ الِادِّخَارِ . فَإِنَّ مَنْ نَهَى عَنْ الِانْتِفَاعِ بِمَالِهِ جَادَ بِبَذْلِهِ ؛ إذْ لَا يَتْرُكُ بَطَّالاً وَقَدْ يَنْهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ الْأَئِمَّةُ عَنْ بَعْضِ أَنْوَاعِ الْمُبَاحِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ . لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَنْفَعَةِ الْمَنْهِيِّ ؛ كَمَا نَهَاهُمْ فِي بَعْضِ الْمَغَازِي . . . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ جَابِرٌ عَنْ نَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُخَابَرَةِ : فَهَذِهِ هِيَ الْمُخَابَرَةُ الَّتِي نَهَى عَنْهَا . وَاللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ . وَلَمْ تَكُنْ الْمُخَابَرَةُ عِنْدَهُمْ إلَّا ذَلِكَ . يُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ { ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كُنَّا لَا نَرَى بِالْخِبْرِ بَأْساً حَتَّى كَانَ عَامُ أَوَّلٍ ، فَزَعَمَ رَافِعٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُ فَتَرَكْنَاهُ مِنْ أَجْلِهِ } " فَأَخْبَرَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَافِعاً رَوَى النَّهْيَ عَنْ الْخَبَرِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى حَدِيثِ رَافِعٍ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْخِبْرُ - بِكَسْرِ الْخَاءِ - بِمَعْنَى الْمُخَابَرَةِ . وَالْمُخَابَرَةُ : الْمُزَارَعَةُ بِالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ . وَكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ يَقُولُ : لِهَذَا سُمِّيَ الْأَكَّارُ خَبِيراً ؛ لِأَنَّهُ يُخَابِرُ عَلَى الْأَرْضِ وَالْمُخَابَرَةُ : هِيَ الْمُؤَاكَرَةُ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : أَصْلُ هَذَا مِنْ خَيْبَرَ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّهَا فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى النِّصْفِ فَقِيلَ : خَابَرَهُمْ أَيْ عَامَلَهُمْ فِي خَيْبَرَ . وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءِ ؛ فَإِنَّ مُعَامَلَتَهُ بِخَيْبَرِ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا قَطُّ